السيد كمال الحيدري
286
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
فليست الجراثيم مثلًا شرّاً لنفسها وإنّما هي شرّ لمن تؤذيه ولمن تُفقِده حياته أو تضرّ بصحّته وتفقده سلامته . هكذا الحال بالنسبة إلى الفقر وضروب المصائب والكوارث كالفيضانات ، كما يقال الشئ نفسه بشأن القوى التي تسمّى عند الإنسان بالقوى الشهوية والغضبية . فهذه تسمّى شرّاً باعتبار أنّها تواجه القوّة العاقلة عند الإنسان ، وتمنعه من أن يصل إلى كماله ، وإلّا فالقوّة الشهوية بما هي قوّة شهوية ليست نقصاً ولا شرّاً بالنسبة إلى الإنسان . فلو فقد الإنسان رصيده من القوّة الشهوية أو الغضبية فإنّ هذا الفقد سيكون نقصاً في الإنسان ، وإنّما تتحوّل هذه القوّة إلى شرّ إذا منعت الإنسان من بلوغ كماله . انطلاقاً من هذه الخلفية نتعامل مع النصّ التالي الذي يسجّل فيه صاحبه عن المصائب والسيّئات ، ما يلي : « إنّ هذه المصائب إنّما هي سيّئات نسبية ، بمعنى أنّ الإنسان المنعَّم بنعمة من نعم الله كالأمن والسلامة والصحّة والغنى يعدّ واجداً ، فإذا فقدها بنزول نازلة وإصابة مصيبة كانت النازلة بالنسبة إليه سيّئة لأنّها مقارنة لفقد ما وعدم ما . فكلّ نازلة من الله وليست من هذه الجهة سيّئةً وإنّما هي سيّئة نسبية بالنسبة إلى الإنسان وهو واجد ، فكلّ سيّئة فهي أمر عدمىّ غير منسوب من هذه الجهة إلى الله سبحانه البتّة ، وإن كانت من جهة أخرى منسوبة إليه تعالى بالإذن فيه ونحو ذلك » « 1 » . ما تفيده هذه الرؤية هو : أىّ وجود في نفسه فهو خير وحسن ، كما عبّر القرآن الكريم : الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ « 2 » ، فكلّ شئ من الموجودات هو في نفسه حسن وجميل وخير . أجل ، عندما تتزاحم هذه الموجودات فيما بينها وتتضادّ يقع بينها علاقات فعل وانفعال ، فتؤدّى بعضها إلى انعدام بعض أو إلى انعدام بعض كمالات وجود آخر . هذه الخصيصة المتمثِّلة بالتضادّ والتزاحم
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 102 . ( 2 ) السجدة : 7 .